كيف غيرت عملية استحواذ السعودية على نيوكاسل يونايتد؟

في مطلع يناير 2022، كان المدرج الرئيسي شبه خالٍ حين سار ياسر الرميان وحراسه الشخصيون الأربعة ببطء على الدرجات الخرسانية المؤدية من صندوق المديرين إلى أرض ملعب سانت جيمس بارك. وبينما كان الوفد المرافق يتجه نحو النفق غرفة تبديل الملابس، كانت حفنة من الصحفيين الذين بقوا على الأرض يخشون على إيدي هاو. ذلك اليوم خسر نيوكاسل بهدف أمام كامبريدج يونايتد في كأس الاتحاد، وعاد الرميان من الرياض ليستمع إلى تقدم الأمور منذ الاستحواذ السعودي المثير للجدل قبل ثلاثة أشهر.

رسالة دعم مبكرة لمدرب على حافة الهبوط

كان هاو في منصبه منذ نوفمبر، ومع اقتراب الهبوط بدأت الجماهير تتوقع أن يتم التخلي عن المدرب الذي عُيّن بعد أن رفض أوناي إيمري تولي المنصب في الساعة الأخيرة. وبالمقابل، قال الرميان الهادئ لللاعبين إن المالكين “يدعمون بشكل كامل” هاو ويقدرون تكاتفهم في الشدائد. وكان لكلمة ثقل خاص، فالرميان يشغل منصب رئيس صندوق الاستثمارات العامة، المساهم بنسبة 80% في نيوكاسل، ويعمل قرب ولي العهد محمد بن سلمان.

خلف الكواليس شعر موظفو النادي في الأمن والتموين والإدارة والاستكشاف وتكنولوجيا المعلومات أن الأمور تتحسن بعد سنوات من الشعور بالتقليل من شأنهم على يد نظام مايك أشلي. وفي البداية فوّض السعوديون السيطرة اليومية إلى مالكي الأقلية وزملائهم المديرين، أماندا ستافيلي وزوجها مهرداد قدوسي وجيمي روبن، وسرعان ما أخبر الثلاثي الجميع إنهم يواجهون هدفًا مفتوحًا.

ملحق مالي يشرح التحوّل

في فبراير 2022 تقدّم نيوكاسل بطلب ليصبح صاحب عمل يدفع أجرًا معيشيًا، ملتزمًا بتجاوز الحد الأدنى لكل موظف دائم أو عرضي. هذه الخطوة، بدفع 9.90 جنيهات إسترلينيًا في الساعة آنذاك (وهي الآن 10.90)، تشرح كثيرًا لماذا أصبح النادي مكانًا أكثر سعادة مما كان خلال أربع عشرة سنة من خفض التكاليف وتراجع الامتيازات وأحيانًا تقنيات إدارية بالتقشف التي ميزت فترة أشلي.

حين أجرى ستافيلي وقدوسي مراجعة للموظفين وأدركا مدى تواضع مكافآت كثيرين خلف الكواليس، بدا عليهما الصدمة؛ فقد قضى بعضهم فترات طويلة دون زيادة في الأجر. واستنتجا أيضًا أن الإدارات الرئيسية تعاني نقصًا في الموظفين؛ فالمدير التجاري الجديد بيتر سيلفرستون ورث مجموعة من 40 شخصًا، أقل من ربع عدد فريقه في أرسنال السابق.

إن ملكية صندوق ثروة سيادي تفسر وصف النادي لنفسه بأنه يقدّم رواتب تنافسية ومعاشات تقاعدية، لكن هذه التحسينات تسهّلها العودة إلى الدوري الإنجليزي الممتاز في ربيع 2022، التي كان لتدريب هاو، مدرب بورنموث السابق، دور كبير فيها، ثم حصد المركز الرابع والتأهل إلى دوري أبطال أوروبا.

سوق انتقالات لا يحتمل الخطأ

شعر الوكلاء في البداية بفرصة ربح من مالكين أثرياء وربما سذج، ثم أصيبوا بخيبة أمل. فالنادي أنفق نحو 95 مليون جنيه إسترليني في يناير 2022، لكن الخماسية الناتجة عن ذلك، وبالأخص برونو غيماريش وكيران تريبيير، كانت ذكية.

وقالت ستافيلي: “علينا أن نكون حذرين جدًا ونُجري التحليل”، مشددة على أن الإيرادات التجارية بحاجة إلى النمو بسبب قواعد اللعب المالي النظيف التي تمنع الخسائر التراكمية قبل الضرائب من تجاوز 105 ملايين جنيه إسترليني على ثلاث سنوات. وأضافت أن هذه القواعد وجّهت جزءًا كبيرًا من سياسة الانتقالات: لا يمكن تحمّل كلفة صفقة فاشلة.

وارتفع إنفاق نيوكاسل على اللاعبين إلى نحو 400 مليون جنيه إسترليني، بوصول سفين بوتمان وألكسندر إيساك وساندرو تونالي وتينو ليفرامينتو. ولا عجب أن السعوديين اعتبروا تعيينات 2022 حاسمة: سيلفرستون رئيسًا تنفيذيًا، ودارين إيلز ودان آشورث مديرًا رياضيًا. ويشارك آشورث بقوة في التعاقدات، لكن كل صفقة تُفحص بالتفصيل من المالكين، المهرة في الصفقات والميل إلى اللعب القاسي في سوق الانتقالات.

ورغم رغبة الرميان في التفويض، تعلّم هاو وآشورث الصبر بينما يُجري السعوديون، البارعون في الإحصاءات، تحليلهم الأخير.

أسئلة بلا إجابات قريبة

كل ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مشاركة المملكة: هل هي شكل متطور من التبييض الرياضي، أم دبلوماسية دولية ذكية، أم دليل على ميول الأمير محمد التحديثية وإن كانت كامنة في أغلب الأحيان؟ الإجابات قليلة. لا يرى الرميان وزملاؤه حاجة للمساءلة العامة، بينما يبقى ستافيلي وروبن وهاو شديد الحذر تجاه أصحابهم.

ورغم ظهور الرميان في الفيلم الوثائقي من أربعة أجزاء “نيوكاسل يونايتد” على منصة برايم فيديو، يكشف المسلسل أكثر عن ستافيلي وهاو واللاعبين منهم عن رؤسائهم. ولم يتحدث أي مدير مقيم في الخليج علنًا مع وسائل الإعلام البريطانية، وهو موقف يضع هاو في موقف حرج كلما سُئل عن سجل حقوق الإنسان في السعودية ونقص حقوق المرأة والمثليين. ونادرًا ما يكون على علم بالأرقام حين يُسأل، فالمدرب اعتاد كلاعب قراءة الصحف الكبيرة عن فريقه، ولا يُرجّح أن يعرف أن السعودية أعدمت 54 مواطنًا بحلول يونيو من ذلك العام.

ولا يُنسى المؤتمر الصحفي بعد مباراة تشيلسي في مارس 2022، حين رفض تحت وابل من الأسئلة إدانة إعدام 81 رجلاً في المملكة، وقال بطريقة محرجة: “سألتزم بالحديث عن كرة القدم، هذا كل ما يهمني.” وقال المدير السابق آلان بارديو لصحيفة التايمز: “إن كنت شخصًا ذكيًا، فالأكيد أن هذه الملكية تزعجك. أعرف أن إيدي ذكي، لكن هذه الوظيفة وجاذبية نيوكاسل قد تؤثر عليك.”

مفارقات لا تنتهي

إن لم يظهر اللاعبون قلقًا علنيًا بشأن مقتل جمال خاشقجي، فإنهم يفضلون مناقشة تجديد الملعب بملايين الجنيهات. وبدل الهرب من “الأصفاد الذهبية”، استغل الفريق عداوة الخارج للناحية الشمالية الشرقية لصالحه؛ قال دان بيرن: “في تجمعاتنا قبل المباراة نقول: نحن ضد العالم.” وكذلك فعل المشجعون حين تسلقوا مدرج جالوجيت لملء الكاتدرائية على التل إلى سعتها المعتادة البالغة 52 ألف متفرج، وهم بعيدون عن المعضلات الأخلاقية المعنية بمعاملة المملكة للأقلية الشيعية.

ويتخصص صندوق الاستثمارات العامة في الاستثمار العالمي، ويُعدّ عبد المجيد الحقباني وأسماء رزيق، وهما مديران غير بارزان في نيوكاسل، من نجوم المضاربات المالية عالية المخاطر. وتصف ستافيلي الصندوق بأنه “صندوق تقاعد سعودي فعليًا يدير الأموال للأجيال القادمة”، وكانت هي من أقنع الرميان بالشراء بعد دعوة على متن يخت “سيرين” في البحر الأحمر عام 2019، قائلة إن الصندوق أراد “شيئًا مستدامًا للغاية نستطيع بناءه”.

وبعد أربع سنوات من الاستماع إلى خطاب ستافيلي، يحضر الرميان اجتماعات مجلس الإدارة المنتظمة في محيط أقل بريقًا بقلعة ألنويك في نورثمبرلاند. فهو لا يخجل من استخدام لغته الإنجليزية الفصيحة بلكنة أمريكية ليؤكد للمديرين التنفيذيين أن النادي سيصبح “رقم 1” في إنجلترا، مما يرفع قيمته عشرة أضعاف.

وحضور أسماء رزيق في مثل هذا الدور المؤثر يتحدى الافتراضات حول مكانة المرأة في مملكة محافظة للغاية، حيث يلتزم معظم الإناث بقواعد لباس صارمة ويواجهن قيودًا شديدة على حرية الحركة. وفي حين تحرص كثير من النساء الغربيات على تغطية زياراتهن للسعودية، سعدت ستافيلي ضيوفها حين تركت شعرها مكشوفًا خلال رحلات نيوكاسل التدريبية الدافئة إلى الرياض وجدة.

المشروع مليء بالتناقضات: مالكون من بلد لا يكاد يُوصف بالنسوية مسؤولون عن تحويل فريق السيدات إلى فريق احترافي كامل، فيما كان روبن والرميان يتعانقان على العشب حين فاز الفريق بركلات الترجيح في الربيع الماضي. وجذور عائلة روبن في الجالية اليهودية المزدهرة في العراق، وحين هربت من الاضطهاد في الخمسينيات ووصلت إلى إنجلترا عبر الهند، كان مثل هذا الاحتضان العام يبدو مستحيلًا. واليوم تعيد شركته، التي أسسها والده وعمّه، تطوير مساحة كبيرة من وسط نيوكاسل فيما يبدو شراكة تجديد مع الصندوق.

إن خشي البعض من تشابه الطقم الأخضر مع العلم السعودي، أو من احتمال لعب المكسيك ودية أمام السعودية في سانت جيمس، فإن مخاوف المشجعين تطغى عليها شيء نادر: للمرة الأولى منذ تولي السير بوبي روبسون منصبه قبل عقدين، يشعر مشجعو نيوكاسل بتفاؤل حقيقي بأن أيام المجد تنتظرهم.

مقالات ذات صلة