خلف الأسطورة أن يُصبح واجهة مهمة، لكن المهمة الأصعب هي أن تبني بعدها شيئًا يستحق الاسم نفسه. لم يستطع ديفيد مويس أن يرث السير أليكس فيرغسون، ولم يستطع أوناي إيمري أن يرث أرسين فينغر، ولم ينجح أحد بعد برايان كلوف في أن يواصل حكاية دون ريفي مع ليدز. إرث يورجن كلوب في ليفربول يقف اليوم أمام اختبار مشابه، لكنه بظروف أكثر هدوءًا واستعدادًا.
حين يمرّر النادي مفاتيح التغيير بوعي
الانتقالات الناجحة كانت في الماضي نادرة، وحين تحققت فكان مصدرها الداخل: جورج أليسون الذي واصل مشروع هربرت تشابمان في آرسنال، وديف ماكاي الذي أعاد تتويج ديربي كاونتي التي بناها كلوف. أما في الوقت الحاضر، فالكرة القدم السريعة والأندية المهيكلة تجعل الاستمرارية صعبة، وكان في ليفربول مرشح داخلي واضح ليحل محل كلوب هو بيب ليندرز، لكن اتجاه النادي تغيّر نحو وافد خارجي يعرف كيف يبدأ من جديد.
والأهم أن القرار جاء قبل الرحيل لا بعده: عاد سلوت من فينورد بخطة واضحة، مدعومًا بفترة تأقلم لا بمناورة سريعة.
ما الذي غيره سلوت فعلًا؟
من غير العدالة القول إن عامه الأول لم يأتِ بجديد. تحوّل الفريق إلى أكثر سيطرة واستقرارًا: فاز في ثماني مباريات بنتيجة 2-0، وحسم معظمها مبكرًا بهدفين، وهو ما قلل المخاطرة، وأبقى اللاعبين أحياءً لحظيًا، وربما يفسّر كذلك انخفاض إصاباته نسبيًا مقارنة بالمواسم السابقة.
ومع ذلك، فإن هذا التطور كان تطويرًا لسيارة كلوب أكثر منه مشروعًا جديدًا بالكامل: تحسينات في استخلاص أفضل ما لدى ريان جرافينبيرش، وموسم آخر يستنفد فيه محمد صلاح حتى آخر قطرة، وتعديلات بين الشوطين بدأت من الأسبوع الأول أمام إبسويتش واستمرت طوال العام.
الثبات ليس خيارًا
لأن المنافس لا ينتظر، فالثبات – كما قال بيتر ريد ببراعة – هو تراجع للخلف. لهذا جاء التغيير هذا الصيف، ولو لم يخطط له ليفربول بهذه الصيغة تحديدًا فالبروتوكول منطقي: أرِ المدرب الجديد يستقر، قيّم قدراته، اسمح له ببناء رصيد من الثقة قبل أن يبدأ في هزّ الأساس. وبذلك ينتقل النقاش من “من هو المدرب” إلى “هل التغيير نجح؟”.
موسم انتقالي بكل المقاييس
لا أحد ينكر أن ليفربول في مرحلة انتقالية حقيقية، وجزء من ذلك يعود إلى فقد اللاعب ديوغو جوتا، الذي لا يزال غيابه يضغط على المجموعة. والجديد أن النادي لم يخفِ الأمر: تعاقد مع ستة لاعبين لسدّ ثغرات تحدث عنها جيمي كاراغر العام الماضي، إضافة إلى قلب الدفاع الشاب جيوفاني ليوني (18 عامًا) الذي كان سيشارك لولا تمزق في الرباط الصليبي الأمامي.
الفارق عن أرسنال أن الجناح اللندني حافظ على هويته وضم سبعة لاعبين ليعززوا نظامًا قائمًا: جيوكيريس لسدّ حاجة قديمة في الهجوم، وإيبيريتشي إيزي كإضافة حقيقية على الجهة اليسرى. أما ليفربول، فالمهمة ليست تعزيز النظام، بل إعادة رسمه.
فيرتز: اللغز الذي سيرسم الخريطة
هناك قطيعة ظاهرة في أسلوب الفريق: لم يعد النموذج 4-3-3 هو المرجع، وحتى التخلي المؤقت عن 4-2-3-1 الذي بدأ به الموسم يشير إلى بحث مستمر. وفي قلب هذا البحث يقف فلوريان فيرتز، صاحب أرقام متناقضة لدرجة تسمح بأي استنتاج: لم يسجّل ولم يصنع حتى الآن، ومع ذلك ينافس جاك غريليش على صدارة الفرص المتاحة، ولا أحد يجادل في أنه لم يكن سيئًا، لكنه لم يُبهر بعد.
المشكلة أن مهمة فيرتز الحقيقية تبدو خلف مهاجم مركزي، وهذا صعب التنفيذ مع الأسلحة الحالية لليفربول، خصوصًا في ظل غياب ستة لاعبين دفاعيين بمهارات مختلفة يفرضون توزيعًا لا يشبه ما اعتاد عليه الفريق.
قراءة في المستقبل: خارطة ما بعد صلاح
قد تقرأ هذه المعادلة كنذير استباقي لما بعد محمد صلاح، وقد يحتمل التفسير أكثر من اتجاه. فينورد، اعتمدت فلسفة سلوت على أطراف أكثر ديناميكية من صلاح حاليًا، مثل يانكوبا مينتيه وإيغور بايكساو ولوكا إيفانوسيتش، ولهذا تبدو التشكيلة حينها أقرب إلى 4-4-1-1 منها إلى الرباعي المعتاد.
تغيير بهذا الحجم يحتاج وقتًا، وقد يحتاج إلى نافذتَي انتقال إضافيتين، وقد يعني في الطريق مخاطرة. لكنها مخاطرة يقبلها سلوت بصفته بطلًا للدوري الإنجليزي الممتاز لا وافدًا جديدًا، وهذا بالضبط ما يمنحه حق التجربة.