يبدو تدمير مانشستر سيتي لريال مدريد وكأنه انتصار تاريخي

لم يكن فوز مانشستر سيتي على ريال مدريد مجرد بطاقة تأهل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، بل بدا كانتصار تاريخي يقفل مرحلة كاملة: مزيج من الذكاء والقوة سحق أكثر الأندية هيمنة في تاريخ المسابقة، وفتح الباب أمام مشروع دولة لا يزال يبحث عن ذروته.

خمسة عشر عامًا من الطموح

منذ استحواذ الشيخ منصور على النادي، كان دوري الأبطال هدفًا واحدًا يعلو فوق كل الأهداف. بحثوا في القمم والغابات المظلمة، وسقطوا في ربع النهائي ونصف النهائي ومرة في النهائي نفسه، تنتصر عليهم الأبطال والوحوش على حد سواء، حتى وقفوا مجددًا أمام الاختبار الأخير: إنتر، صاحب المركز الثالث في رابع أفضل دوري في أوروبا.

وقال بيب جوارديولا إن فريقه مستوحى من “ألم” خيبة العام الماضي، ذلك الحلم المتأخر الذي يجب أن تكون خاتمته أكبر من مجرد خصم اعتيادي، وأن يكون العداء الأخير أخطر من أسماء اعتادت الجماهير الإنجليزية رؤيتها لسنوات: إدين دزيكو، وهنريخ مخيتاريان، وروميلو لوكاكو.

هل يمكن لأنتر أن يفوز؟

بالطبع يمكن؛ فجمال كرة القدم أن الصدمات تحدث وأن المستضعف يستطيع الحفر والإحباط. أظهر إنتر أمام برشلونة في دور المجموعات وأمام ميلان في نصف النهائي أنه منظّم جدًا وماهر في إدارة الإيقاع، وقضاء فيديريكو ديماركو وفرانشيسكو أكيربي موسمًا جيدًا.

لكن كايل ووكر، الذي خرج سالمًا من مواجهة فينيسيوس جونيور، لا يقلق بشأن الجهة اليسرى، كما لا يبدو أن إيرلينغ هالاند سيقلق من مدافع يبلغ 35 عامًا قضى معظم مسيرته في ساسولو. كما خسر إنتر بسهولة 2-0 أمام بايرن ميونيخ مرتين في دور المجموعات، بينما تخلّص السيتي من البافاري بنفس السهولة في ربع النهائي.

تحدي إسطنبول: “التهاب المدينة”

الخطر الأكبر على السيتي في إسطنبول قد يكون داخله: تلك الندبات المتراكمة من إحباطات جوارديولا وما تبقى من “التهاب المدينة”، مع تغيّر معتاد في الأجواء منذ آخر مرة استضاف فيها النهائي عام 2005، والانتقال من وسط المدينة إلى استاد أتاتورك الأولمبي.

ورغم ذلك يبقى الوقت أمام جوارديولا: فالفوز على إنتر يجعله رابع مدرب يُحصد اللقب ثلاث مرات، وسيكون فارق 12 عامًا بين لقبيه الأطول خلف يوب هاينكس (15 عامًا) وإرنست هابيل (13 عامًا)، بينما قفز كارلو أنشيلوتي 19 عامًا بين أول ألقابه وأربعة.

الليلة التي غيّرت النموذج

إن تُوج السيتي باللقب، ستصمد نتيجة 4-0 مثل فوز أياكس على بايرن في1973 أو ميلان على مدريد في 1989، من تلك المباريات التي تحوّل فيها نموذج إلى واقع جديد: لحظة رمزية تتجاوز فيها الأندية البتروية النخب التقليدية، وتعود عواقب النموذج الرأسمالي المطلق الذي انطلق مع دوري الأبطال ليبتلع كل شيء.

الرحلة التي بدأها سيلفيو برلسكوني عام 1987 وصلت إلى نقطة تاريخية في مانشستر. ولطالما تحدّى مدريد المنطق، غير أن المآثر الفردية لم تعد تكفي في حرب لا مكان فيها لرسوم سلاح الفرسان، ومدريد يملك ما يكفي من الموارد والمكانة ليظل قادرًا على الازدهار حتى في اللحظة الأخيرة.

هل فريق يعرّف الحداثة؟

منذ أن وُجّهت115 تهمة مالية إلى السيتي، لم يخسر، ونادراً ما اضطر جوارديولا إلى تغيير التشكيلة. تلاشت الشكوك حول توازن هالاند، وصار الفريق قوة تُبعد كل من يعترض طريقه، حتى بايرن ومدريدي.

وقد يكون أعظم ما قدّمه هالاند هو الوضوح: لا حاجة لمبالغة في التعقيد. قد لا يكون الفريق تحفة خالصة للخبراء، لكنه مزيج رائع يجمع بين الذكاء والقوة، وهو ما يبدو عليه مشروع الدولة بوضوح.

الليلة التي اخترق فيها الانتصار مدريد

في حدود السبعين دقيقة، بعد خروج توني كروس ولوكا مودريتش معًا من الملعب، تأرجحت حواف الليل وصار كل شيء واضحًا: سيتي سيفوز وريال سيخسر، ولن يغيّر ذلك أي تعديل تكتيكي أو تبديل.

بدا أن ريال يدرك ذلك أيضًا؛ كان متأخرًا بهدفين فقط لكنه خرج مكبوسًا ومرهقًا من الركض في طريق مسدود مليء بالقمصان الزرقاء. توقف فينيسيوس عن محاولة تجاوز ووكر واكتفى بمراوغة أكبر عدد ممكن من اللاعبين، وصارت الأخطاء متعمدة أكثر منها ملحوقة، حتى المعلقين الإسبانيون خفّوا أصواتهم إلى نبرات جنائزية.

على المسرح الأكبر، في منافسته المفضلة، وُضع النادي الأكثر هيمنة في تاريخ المسابقة تحت توتر لا يُطاق وفُجّر ببساطة، ليُنهي المباراة برباعية كانت لولا أطراف أصابع تيبو كورتوا لأصبحت إذلالًا كاملًا.

الخاتمة

ربما كان هذا أعظم أداء للسيتي تحت قيادة جوارديولا، قطعة متحف لا مجرد درس تكتيكي. وفي الجهة المقابلة، أدرك الجميع أن الفريق المدريدي الكبير يحتاج إلى مرحلة انتقالية: مودريتش خلع في الدقيقة 63، وكروس بعد قليل، وبدا بنزيمة عجوزًا.

هل يلعب أي منهم بمثل هذا الحجم مجددًا؟ ربما، لكن ليس معًا. وحين احتاج مدريد إلى حركة وطاقة، وُجد مزاحمًا بالأسطورة والهالة وحدهما. ويبقى السؤال الأهم بعد هذا الانتصار: هل صار مشروع الدولة الناضج إلى النهاية التي يستحقها، أم أن كرة القدم القديمة ما تزال تملك خدعة أخيرة في إسطنبول؟

مقالات ذات صلة